محمد متولي الشعراوي

1910

تفسير الشعراوى

ولماذا يكتب اللّه ذلك وهو العالم بكل شئ ؟ . جاء هذا القول ليدل على التوثيق أيضا ، فعندما يأتي هذا الرجل ليقرأ كتابه يوم القيامة يجدها مكتوبة ؛ فالكتابة لتوثيق ما يمكن أن ينكر - بالبناء للمجهول - فإذا كان العلم من اللّه فقط فالعبد قد يقول : - إنك يا رب الذي تعاقب . فلك أن تقول ما تقول . فإذا ما كان مكتوبا عليهم ليقرأوه . فهذا توثيق لا يمكن إنكاره . ولم يفهم ذلك اليهودي أن القرض للّه هو تلطف من الحق سبحانه وتعالى واستدرار لحنان الإنسان على الإنسان . فقد شاء الحق أن يحترم أثر مجهودك وعرقك أيها الإنسان ، فإن وصلت إلى شئ من المال فهو مالك . ولم يقل اللّه لك : أعط أخاك ، فسبحانه وتعالى تلطفا مع خلقه يقول : أقرضني ؛ ليضمن الإنسان أن ما أعطاه إنما هو عند ملئ . لكن أدب بني إسرائيل مع اللّه مفقود ، فقد قالوا من قبل : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ( من الآية 64 سورة المائدة ) وسبب ذلك أنه أصابتهم سنة وجدب . وذلك بسبب تكذيبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن عباس : « إن اللّه وسع على اليهود في الدنيا حتى كانوا أكثر الناس مالا ، فلما عصوا اللّه وكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكذبوه ضيّق اللّه عليهم في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه من يهود : يد اللّه مغلولة فأنزل اللّه هذه الآية . إنهم قالوا : السماء بخلت علينا ويد اللّه مغلولة ، فلم تعطنا رزقا . هكذا كان اجتراؤهم في الحديث عن اللّه « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » ونعرف أن « الغل » هو ربط اليدين بسلسلة . وها هم أولاء يجترئون مرة أخرى فيقولون : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ » . ويورد الحق سبحانه كل ذلك تسلية لسيدنا محمد حتى إذا ما اجترأوا عليه بكلمة أو على أصحابه باستهزاء ، فسبحانه يوضح لرسوله : أنهم لم يصنعوا ذلك معك ولا مع أتباعك ،